شبكة سورية الحدث


ذلك الحزن للأديب فراس الحركه

ذلك الحزن للأديب فراس الحركه

ذلك الحزن

اختلفنا على تفسير الكلمات, حفظنا الأغنية عن ظهر قلب, وفشلنا في ترجمة الجملة الأولى.
عندما جاء (أحمد) وعلى يديه ما تزال عالقة آثار الإسمنت, ووجهه كخريطة البلاد يُخدِّدُهُ العرق, اتخذ مجلسه قبالتنا على الأرض مغنياً:
- (حيل أسحن قليبي سحن)
نسيت حينها أني أصغرهم بسنوات, وأني أصارع لأبدو رجلاً مثلهم, قفزتُ عليه, أحمل طفولتي خلفي, واحتضنته.. ضحكوا عليّ يومها, ثم انسحبنا نرتلها بفرح!
ما يجري في أعماقي من مدّ وجزر جعلني أصيح مغنياً المقطع الذي يقول:
- ( ياليل صدج ما أطخلك راس.. واشكيلك حزن يا ليل)
ولكن..لماذا استفاقت ذاكرتي عليها بعد كل هذا الألم؟ لنعد إلى ذاكرتي, ونبحث في ذلك الشعور الجمعي.
لم يحب (أحمد) المدرسة يوماً, غير أنه كان رساماً مبدعاً, ضيق الحال دفنه بين غبار الإسمنت, ومازال يخربش كما يقول دون جدوى..
(رائد) أنهى البكالوريا, ثم خدمة العلم, تأبط جواز سفره إلى ليبيا, وعاد بقليل من المال, دفعه كله رشوة ليعمل سائقاً في إحدى شركات النفط..
أمّا (إسماعيل) فلم يقدم امتحان البكالوريا, هرب إلى لبنان خوفاً من الاعتقال, ثم إلى الكويت, وما عاد..
علاقتهم بالكون تستحيل نحو النبوءة, أحلامهم كبيرة كالنصر, ومفردات أيامهم قليلة كالحرية, أما ما يجمعهم, فهو أنا, نعم.. أنا كلمة السر!
لقد أحب الثلاثة فتاتي, كانت جارتي ومحبوبتي, عندما عرفت بأمرهم حاربتهم, وفشلتُ معهم.. يؤلمني كثيراً بوح ذلك, انتظرت طويلاً أمام شباكها المطل على الحارة, ولم تظهر.. خمنت أنها مريضة, أو أن أحداً وشى بنا, و(انسحلت) قلوبنا نحن الأربعة في ذلك اليوم الذي سافرت مع أسرتها إلى الخليج, وتبخرت!
كطفل أضاع لعبته بكيتُ, واسوني, أخذوني معهم إلى حانة متواضعة, تكاثفتْ, في ذاكرتي, هناك, كلماتها مع الخمر, وتلاشت إلى آخر نقطة في الكون, فبردتُ!
جوالي يرن.. رقم لا أعرفه..
- مرحبا.. أنا رائد
بصراحة..أكره تجديد العلاقات القديمة, وحتى إقامة علاقات جديدة, يقتلني الوقت كثيراً, ولا أتقن فن الكذب, تحدثنا طويلاً عن الأحوال, والأيام, والذكريات, ثم باغتني:
- لك عندي مفاجأة عظيمة.
نفضتُ ذاكرتي, وفضَّ هو كل الأسئلة المحتملة, بكلمة (أنتظرك).
- حسناً.. مازال بيتك في مكانه؟
- أكيد..
عند باب منـزل رائد توقفتُ قليلاً, اجتاحني حزن عجيب, ياسمينة العراتلي يبست؟!
ياه.. كنت أسرق أغصاناً صغيرة منها, أجمعها تحت دكة بنطالي, أتسلق الجدران كالحرباء, أزرعها على شباكها, وانتظر قبلة بطعم الياسمين العراتلي, نمضغ زهرة أو اثنتين, نتركها بين اللسان والأسنان, ونغرق في قبلة طويلة بعمر الكون.
وقد سببتْ لي القبلة مرّة مشكلة مع أمي, التي حضرت الماء الساخن لأبي على بابور الكاز, وانتظرتْهُ.. سمعتْ صوت الماء, غلى قلبها, أيكون باغتها إلى الحمام! وصبت غضبها عليّ, لأن الكاز نفذ, وفقدتْ ليلتها.
دخلت منـزل رائد.. كان (أحمد) هناك, جلسنا نسأل عن الأحوال والأولاد.. وقف (رائد) أمامنا, وعلى وجهه علائم الغبطة والمعابثة:
- جاهزان للمفاجأة؟
- نعم.. نعم..
جلس بجوارنا, ثم صاح:
- تفضل أيها الضيف.
نظراتنا مشدودة نحو الباب.. تضيق مساحة الغرفة كعنق زجاجة باتجاه الباب..
- (وني روحي.. هالبت يفيد الونين)
سمعنا الصوت.. صرختُ:
- إسماعيل؟!
أطل علينا.. على حاله كما هو, غزته بعض الشعرات البيض عند فوديه, هجمتُ عليه.. غمرته, وبكينا جميعاً.
كانت مفاجأة مفرحة, لم أذق مثلها منذ كنت طفلاً, أفرح عندما تفاجئني أمي بقطعة حلوى, أو بمرافقة أبي في رحلة صيد.
حدثنا عن مغامرة عودته عبر الحدود, وكيف كانت أحواله في الكويت, ثم فردنا ذاكرتنا للأيام والغصة والخمر.. شربا, غنينا, ضحكنا..
وانتصف الليل, طُرِقَ الباب, فَتَحَ رائد, وجوهٌ داست الأشياء, وعاثت بالذاكرة..
- إسماعيل
- إسماعيل
- إسماعيل
وانطفأ المكان..

.
.

من المجموعة القصصية للأديب فراس الحركه (عصف الرؤى) الفائزة بجائزة زكريا تامر 2008

التاريخ - 2020-10-17 9:38 PM المشاهدات 68

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا