سورية الحدث الإخبارية
||عيناي ما عادت لطيفة||
لو رُبَّما امتلكت أجنحة لكنت أفضل حالاً..
هذا ما كانت تقوله إحدى خرافاتي الطفولية،أو أنّ المعنى الأكثر صحةً:(أمنياتي الطفولية)..
كم كنت أحلم بجناحين صغيرين رقيقين ك(أنا)في ذلك الوقت!!..
ثم كبرت،لكنّ طفلةً بداخلي ما كبرت و لا أمنياتها،حتى حدث ذات ليلة أن استيقظت على صوت همهمات هامسة ٍقريبةٍ منّي..
كائن غريب يقف على حافة شباك غرفتي،يبتسم لي موجهاً أنظاره إلى مرآة غرفتي الواقعة قبال سريري تماماً ابتسامة(حمى الله إشراقها)..
ففضولاً أنهض،أنظر إلى المرآة ذاتها لأرى ما لا تكاد عيناي تصدقه،أمنية الطفولة،الجناحان الصغيران الرقيقان..
انعكاس في مرآة أتهيأه حلماً سعيداً أود الخلود فيه أبداً،جناحاي أهلاً و سهلاً و ألف مرحباً،و في حضرة ذهولي و سعادتي أنسى الكائن اللّطيف على حافة شباكي،إلى اللّحظة التي أعي فيها ما يجري،لحظة ما بعد الدَّهشة الأولى،حينها فقط تذكرته،نظرت ثانيةً فما وجدت له أي أثر،لكن لم أبدِ الاهتمام الكثير فقد كان اهتمامي الوحيد أن أجوب العالم بجناحيّ الجميلين..
من أين أبدأ؟؟!..خرجت محلقةً مسرعة غير آبهة بالتفكير كثيراً فشئت التحليق دون وجهة،و الاستمتاع بكلّ تفصيل من حلمي المحقق بروعته،مهلاً..
أنا الآن أطير،أي أستطيع دخول أيّ مكان عبر نافذةٍ صغيرة،أو ربما مدخنة مدفأة،حتى و إن أمسك بي أحدهم بإمكاني النّجاة بسهولةٍ بالغة بأجنحتي الرائعة..
آه ما أجمل الأجنحة،هذا ما كان يقول فكري..
و من فكري حالاً إلى أحد القصور التي صادف دخولي إليها وفاة ملكها الأكبر،مما أحزنني جداً،و ما أحزنني أكثر دخولي غرف أبناءه بسريّة تامّة تحت هاجس الفضول أيضاً،فأولهما كان منتصف حديث مع زوجته حول كيفية حصوله على لقب الملك بعد وفاته فهو لم يولِ أحداً بعده منصبه،توفي فجأة دون سابق مرض،أما ابنه الثاني فكان في مكتب الملك(رحمه الله)،يحاول فتح خزنة ما خلسةً عبر شيفرات مكتوبةٍ في أوراقه المخبأة،اكتشفت بعد أن نجح بفتحها أنّ داخلها مال كثير،و لم أشأ أو لم أستطع إكمال المشاهدة،فهل يعقل أنّ المال و الجاه طغوا على قيمة إنسان؟!..
حلقت خارج القصر مرتديةً ثوب خيبةٍ أسود حصلت عليه هديةً من تفكير تلك العقول البشريّة،العفو..أقصد تلك التي أجهل مسمّاها فلا ليست عقولاً طبعاً،في طريق عودتي صادفت أماكن كثيرة راودني فضول دخولها،لكن غلبني في النّهاية فضول الدّخول إلى إحدى المطاعم الباد عليها الجمال و الفخامة،و دخلت(ليتني ما دخلت)..
كنت أدخل كلّ مكان أشاؤه بسهولةٍ بالغة أمام رؤيا كلّ عين،لا يستوقفني أحد أو يمنعني،كأنّني كنت و جناحاي يومها خفيّا الظهور،كان الجلوس على أيّ كرسي و أيّ طاولة ضمن استطاعتي،حتى الّذين على رأسهم ناس كثر،كان ذلك أكثر ممّا حلمت بكثير،و شاءت الصدفة أن أختار إحدى الطاولات الفاخرة التي كان يعقد عليها اجتماع هام لإحدى الشركات الأكبر دولياً،على كرسيّ فارغ جلست،ليهديني جلوسي ثوب الخيبة الثاني ذلك اليوم حين سمعت حديث الموظفين الدَّائر حول أرباح الشركة الطائلة رغم غشها المستمرّ في جودة المنتجات و غلاءها ساخرين تعتلي وجودهم سعادة لا تعرف الرّحمة لحاجة المستهلك إلى منتجاتهم مهما اشتدَّ غلاؤها،إضافةً إلى ضحكة مالك الشركة الأكثر علواً في صوتها،و التي أهدتني عقداً مرصعاً من لآلىء صدمة كانت كفيلةً بخنق عنقي لو لم أخرج بسرعةٍ لاستنشاق بعض الهواء الطلق،لكن ما فائدة استنشاق الهواء إن بات الاختناق داخلك لا يرحمك؟!..
ثوبا خيبة سوداوان،و عقد من لآلىء صدمة كافية اليوم و لسنوات قادمةٍ أيضاً..
قررت العودة إلى غرفتي و نسيان كل شيء حتى جناحيّ،حلقت مسرعةً لكن بعد عدة أميال وقعت في فخ الفضول المحكم مجدداً حول سيارةٍ رائعة الجمال،لم أشهد يوماً أجمل منها،اقتربت أكثر،و يا لفخامة ثوب الخيبة الثالث حين رأيت داخلها إحدى الجارات المتزوجات التي يقال عنها:-الأكثر عفةً في الحيّ-،تتبادل القبل مع عجوز ستينيّ قبيح،أقترب أكثر،فلا أنا لا أصدق حتى ما ترى عيناي،لكن نعم تفضلي ثوب الخيبة الثالث فهي،تقول له:غداً مساء بعد رحيل ذلك المغفل(تقصد زوجها)إلى مناوبة عمله الليليّة ألاقيك هنا،لا تنسى إحضار ثمن قبلة ٍو ليلة.
أدركت في تلك اللّحظة انتهاء صلاحيّة أغلب(المشاعر الإنسانية) لتحلّ محلّها رُبَّما(أجساد قلوبها حجريّة)،وجهت رأسي نحو السماء بأمنيةٍ لا تخلو من الحسرة:ليتني ما امتلكت أجنحة،كم كنت أفضل حالاً،ليتني بقيت أرى العالم جميلاً رقيقاً ك(أنا)في ذلك الوقت..
بثلاثة أثواب خيبة،و عقد من لآلىء صدمة كبرت الطفلة بداخلي،و اختفت أمنياتها،تمنيت فقط رؤية الكائن اللّطيف الغامض مجدداً لأقص عليه ما جرى،لكن لم أره،لرُبَّما لأنّني لم أستطع رؤية شيء لطيف بعد تلك اللّيلة الواقعة .
||رغد فادي سقيّر|| .
يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرام : انقر هنا