شبكة سورية الحدث


فتى الهيجاء، لا تعتب علينا!

فتى الهيجاء، لا تعتب علينا!


سورية الحدث الإخبارية-السويداء-معين حمد العماطوري   
من أهم مفرزات أحداث الثورة السورية الكبرى أنها ألهمت الكتاب والأدباء على توثيق وتدوين أحداثها ووصف شخصية قائد الثورة بطريقة أدبية جعلته نافراً عن رفاقه ولكنه معهم ضمن دائرة واحدة في البطولة والانتماء الوطني دون تفاضل فيما بينهم الا بالفعل والعمل والانجاز، حتى وكأنه فرض على الشعراء والأدباء ضخ حبر يراعهم في الكلمات العابرة للزمن ان يجعلوا الشمول منهجاً لوحدة متكاملة ولعله بذلك قد أحسن إدارة الثورة بما يسمى اليوم وحدة التنوع، وربما السؤال الأهم كيف جسد وحدة التنوع سلطان الأطرش حتى أخذ الحيز الأكبر من الشعراء؟
وحدة التنوع: 
إن العامل الرئيس لمقومات نجاح الثورة اتخاذ الموقف الثابت الموحد ووحدة الموقف والمبدأ والهدف عند السوريين، على اختلاف مشاربهم وأطيافهم الاجتماعية وانتماءهم العرقي أو الطائفي، وبالتالي اتخذوا من هدفهم السامي وحدة متكاملة تلاشت فيه جميع الانتماءات إلا الانتماء الوطني وتوحدت قواهم في تحقيق الاستقلال التام وجلاء المستعمر الفرنسي عن أرض الوطن، وربما ما دفع الثوار من الشمال الى الجنوب ومن الشرق والغرب الاجتماع على كلمة وهدف واحد، في مؤتمر قرية "كفر اللحف" بالقرارات الوطنية والتي من أهمها الاجماع على شخصية سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى، وهناك مقررات أخرى ضمن المؤتمر لسنا بصدد ذكرها ربما نأتي عليها في سياق التدوين لذاكرة الثورة، وتطورت الأحداث وكان ذلك بعد معركتي الكفر والمزرعة وتفوق الثوار على تطور قوى الفرنسيين بمعداتها وتقدم أسلحتها كدولة عظمى، وانتصار الثوار بتلك المعارك وتأثيرها على الواقع الفرنسي السياسي والدولي والإقليمي، الأمر الذي عمق الهدف بعد ما ذكرناه من أسباب مباشرة وغير مباشرة لقيام الثورة، وبالتالي تكونت ثقافة وطنية واحدة شعارها كما وضعها قائدها سلطان الأطرش /الدين لله والوطن للجميع/...
التوثيق الحاذق: 
إن وقائع وأحداث الثورة وجمال بطولة الثوار وتكاثفهم في وحدة المصير والهدف، شكل عند الباحثين والأدباء دوافع والانفعالات ذاتية دفعت بهم لخلق إبداعات أدبية هامة، وربما تناقلت عبر التواتر بمقطوعات منها مجزأة ولكن الباحث الحصيف قام بجمع والمقاربة والمقارنة وتعدد المراجع والمصادر في الوقوف على النص المتوافق والمتفق عليه من قبل العديد، وهذا ما فعله الباحث سميح متعب الجباعي حينما دون في كتابه /ذاكرة الثورة 1920-1939متعب الجباعي/ النص الأدبي الذي تناقلت جزء منه الأوساط الاجتماعية وحتى حينما التقى القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش وصاحب النص الشعري الشاعر القروي رشيد سليم الخوري كانت الذاكرة تزخر بأبيات من قصيدته ولم تكن متداولة كما هي واردة في كتاب /ذاكرة الثورة/ ولعل المتتبع لتاريخ كان في حال فضول لمعرفة كامل النص الشعري أو القصيدة الشعرية خاصة وأنها لشاعر معروف في الأوساط الأدبية الثقافية الإبداعية، ومضمون القصيدة شكل حالة في تداولها بين النصوص المتداولة، ولكن بالعودة للكاتب سميح متعب الجباعي عمل على البحث والتنقيب في تمكين العلاقة والتفاعل بين ثقافة التدوين والتوثيق والمصداقية في النقل والتدقيق في التوصل إلى النص الأصدق معتمداً على تنوع المراجع والمصادر، حتى وصل إلى نص قصيدة الشاعر القروي ولكنه عمل على تدوينها وفق ما رأى في بحثه للمصداقية...
النص المتكامل:  
عمد الباحث سميح متعب الجباعي إلى تدوين كامل القصيدة متضمنا النص في السياق التاريخي لأحداث وذاكرة الثورة بحيث جاءت متوافقة مع الحدث والمعطيات ولكن لتحقيق الرؤية بالبعد الإنساني والأخلاقي للنقل والمصادر دونها بطريقة المنهج العلمي ذاكرة رقم الوثيقة واسم المصدر كما في ورد في الجزء الأول من ذاكرة الثورة بحيث يقول الباحث سميح متعب الجباعي في كتابة /ذاكرة الثورة 1920-1939 متعب الجباعي/ الآتي: 
منقولة عن جريدة "القلم الحديدي-110226-4" التي تصدر في سان باولو-البرازيل، بقلم الأديب الوطني الحرّ جرجي أفندي الحدّاد. هذه القصيدة الفريدة التي جمعت بين علوّ طبقة النَّظم وعلوّ طبقة النّفس، فبمثل هذه المبادئ لِيَكن فخر العرب. وإن الشّاعر المسمّى بالقَرَوِيّ (رشيد سليم الخوري) لنادر الوجود في الحواضر الكبرى فضلاً عن القرى جاء في جريدة القلم الحديدي:
"نظم حضرة الشّاعر الوطني السّيد رشيد سليم الخوري المعروف بالشّاعر القروي هذه القصيدة في وصف حادثة زحف سلطان باشا الأطرش برجاله على السّويداء لإنقاذ الأسير (أدهم خنجر)، الذي قبضت عليه السّلطة الفرنسيّة في بيت سلطان باشا الأطرش خارقة حرمة الضّيافة العربيّة المشهورة، والتقاء البطل العربي بالتّنك (الدّبابة) وهجومه عليها تحت وابل من الرّصاص، وتحطيمها بعد هَبْر قبطانها ومعاونيه الفرنسيّين بحدِّ السّيفِ هَبْراً، كما روت الصّحف العربيّة والإفرنجيّة بإعجاب شديد. قال:
خَفَفْـــتَ لِنَــجْدَةِ العـــــــاني سَرِيــــعاً غَضوبـًا لَـــــوْ رَآكَ اللَّـــــــيْـثُ رِيـــــــــــعَا
وَحَوْلَكَ مِنْ بَنِي مَعْرُوف جَــمــعٌ بِهِمْ  وَبِدُونِهِمْ تُفْنَى الجُمــوعـــــا
كَأَنَّــــــــكَ قَائِــــــــدٌ مِنْـهُمْ هِــضابـــاً  تَبِعْنَ إلى الوَغى جَبَـــــــــــلاً مَنيــــــعاً
تَخَذتَهُمُ لَدَى الجَـــــلْيِ سُيُــــــــوفـــــا لهَا! لَعَــنَ الفَرَنْــــــــــسِيُّ الدُّروعـــــــــا
وأيُّ دريئة تَـعْصــِي حُســــــــامــــــاً تَعوَّدَ في يَمِيــــــــــنِــــــــــكَ أَنْ يُـــــــــــــطيعــا
أَلَمْ يَـــــلْبَـــسْ عِـــــدَاكَ التَّنَكَ دِرْعــاً فَسلْهُمْ هَلْ وَقَى لهُمُ ضُلوعــــا؟
أَغَرْتَ عَلَيْـهِ تَلَــــــقى النَّـــــارَ بَــرداً  وَيَــــــــرْميــــــها الَّــــــذي يـــــرْمي هَــــــلُوعـــاً
فَطـــاشَـتْ عَنْكَ جازِعَةٌ ولَـــو لم  تهشَّ  لَــــها لَحاوَلَتِ الـــرُّجوعــــــــــا
وَمُذْ هَطَل الرَّصـاصُ عَلَــيكَ      سحًّا كوسميٍّ جَلَبْـــــتَ بِــــــــــهِ رَبِيـعا
زعقتَ بِـــمِثْــــلِ فَـــرْخِ النَّسْرِ طِرفٍ   يُجِنُّ إِذا رَأى أَسـداً وَسِـــبــــــــــعا
يَــــــــحِنُّ إِلَى الـــــــــوَغى تِحْنـانَ أُمٍّ  بِحُضنِ غَريبَةٍ تَــــــــــرَكَتْ رَضيـــعا
فَطـار لَهـــــــــا كَأَنَّـكَ مُــــــــــسْتـقِـلٌّ      جـــــوانــــــــــــــــحَ شَاعِــرٍ ذَكَرَ الرُّبوعا
وَلَمّـــا صِــرْتَ من مُهَـجِ الأعـادي   بِحَيْثُ تُذِقْها السُّـــــمَّ النَّـــــقيعا
وَثَبْـــتَ  إِلَى سَـــنامِ  التّــــَنكِ وَثْـــــباً  عَجيباً عَلَّمَ النَّسْرَ الوُقـــــــــــــوعــــــــــا
وكهـــــــربتَ البِــــطاحَ بِــحَدِّ عَضْبٍ بَهَرْتَ بِهِ العِدا فَهَـــوَوا رُكوعـــــــــا
كَـأَنَّ بِـــهِ إِلى الإفـرنـجِ جــــــــــوعًا وَسَيْفُكَ مِثل ضَيْفِكَ لَنْ يَجوعا
تَكَفَّلَ للثَّرى بِالـــــخصــــــبِ لَــــــمَّــا  هَفَــــا بَرْقًــــا  فَــــــأَمْطَرَهُــمْ  نَحِيــبــا
وَفَجَّرَ لِلـــــدِّمـــــاءِ بِــــــــهـمْ عــيُـوناً      تُجاري مِنْ عُيُونِهِمُ  الدموعـــا
فَخَــرّوا فَوْقَ ظَهرِ التَّنْكِ صَرْعَى وَخَرَّ التَّــــــنْــكُ تَحْتَهُمُ صَـــــرِيــــعــــاً
فَيا لَكِ غَـــــارَةً لـــــو لَمْ تُـذِعْـــــــــها أَعَــــــاديـــــــنا لَكذَّبْنا المُــــذيــــعا
وَيــــا لك (أطْرشاً) لَـمَّــا دُعــيــنـــــا لِثَــــأْرٍ كُنتَ أَسْمَـــــــــــعَنا جَميـــعــا!
فَتَى الهــيجاءِ لَا تَـعْـــتَبْ عَـــــلَــــيْـنا وَأَحْسِــــــنْ عُـــــــذْرَنـــا نُحْسِنْ صَنِيعًا
تَمَـرَّسْــتُم   بِـــــهــا   أَيَّـــامَ   كُــــــنَّا نُمَارِسُ فِي سِـــــلَاسِـــــلِنــــا الخُضوعا
فَأَوْقَـــــــــدْتُـمْ لَــهَــا جُــثَـثًا وَهـامًا وَأَوْقَـــــــــدْنـــا المَـباخِرَ والــشُّمــــــــوعا
"أحِبّوا بَعضَكُم بَــعْضًا" وَعَـــــــظْنا      بِها ذِئــباً فــمـا نَـجَّتْ قَطِـيــــعا
فَيَا حَمَلاً وَديعاً لَمْ يُخَلِّـفْ                سِوانا في الْـــوَرى حَــمَــلاً وَديــعًا
غَضِبْـتَ لِذاتِ طَوْقٍ حين بيعَتْ        وَلَمْ تَغْضَبْ لِـــشَعْبِكَ حِينَ بِيــعا
أَلا أَنْـزَلْـتَ إنْـجِــيـــلاً جَــدِيــداً         يُعَـلِّـمُــنـــــــا إِبــــاءً لا خُــنوعــا؟
شَفَعْتَ بِـنا أَمَامَ أَبٍ رَحِيـــــــــمٍ        وَمَـا تَـــــحْتــاجُ عِنْـــــدَ أبٍ شَفِيـــعًـا
أَجِرْنـا مِنْ عَذَابِ النِّيــرِ لا مِن       عَـــذَابِ النَّـــــارِ إِنْ تَــــكُ مُستطيعًا
أيــا لُبْنـانُ مَات بَنـوكِ مَـــــوْتًا          وَكُنْــتُ أَظُنُّـــــهُمْ هَجَعوا هُجوعا
أَلَمْ تَرهُــمْ وَنــارُ الحَرْبِ تَصْلى       كَأنَّ دِماءَهُـــــــــمْ جَمُدَتْ صَقِيعًا؟
أُصُولُ الأَرْزِ فَيْــــضٌ مُفْجَعاتٌ       وَرَاءَ التُّرْبِ يَـنْــــدُبْـــــــنَ الفـروعـا
أَلا أُمْثولَــةٌ بِالسّيـــفِ تُلْــقى         تُعْلِّــمُها مُــعَلِّــمَــــــكَ الخَلــــــــــــــيعا
تُصَدِّعُ للعِدى شَمْــلا جَميـــــــــعاً         وَتَـــجمـعُ للــــعُــلا شَمْلاً صَدِيـــــعا
بَـدَتْ لَكَ فُرْصَــــةٌ لِتَعيشَ حُرًّا  فَحَاذِرْ أَنْ تَــــكونَ لَها مُضـــيعــــــــا
ومَالكَ بَـــعْدَ هَـذَا اليَــوْمِ يَــوْمٌ  فَإِنْ لَمْ تَسْـــتَــطِــعْ لنْ تَسْتَطِيعا
البرازيل..الشاعر القروي رشيد سليم الخوري
أخيراً نستطيع القول أن ما ورد بالقصيدة يدفعنا إلى التعمق أكثر والبحث في الفضول لمعرفة مخزون ذاكرة الثورة من أحداث ومعطيات وكنوز دفينة علنا نعمل ونستعيد الجزء الأهم من إحياء تراث نحن اليوم بحاجة للاستفادة منه في تمتين أواصر العلاقة بين الفئات المجتمعية والمكان الجغرافي السوري الواحد...وللحديث بقية...

التاريخ - 2021-10-29 12:38 PM المشاهدات 2125

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا