شبكة سورية الحدث


مشهد المسيفرة بلسان الفرنسيين ...وبطولات زينت صفحات التاريخ المعاصر

مشهد المسيفرة بلسان الفرنسيين ...وبطولات زينت صفحات التاريخ المعاصر

 
سورية الحدث الإخبارية- السويداء- معين حمد العماطوري
يمنح التاريخ فرصة الالتقاء والعطاء بين الماضي والحاضر برؤية معاصرة، وتمنح الحياة قيمة الجهد والتعب والبحث في المراجع والوثائق، والجامع بينهم العلم الرافعة الاجتماعية والفكرية والإنسانية التي من شأنها الارتقاء بالبحث نحو مصاف الرقي والرفعة، خاصة حينما يحمل البحث المنهجية العلمية وفق أساليب وطرائق محددة، ربما قلة نادرة من المهتمين في التاريخ الذين يعملون على الشكل المنهجي العلمي، والعديد من المهتمين يصرون على التجميع والجمع متكأ في الغالب على التاريخ الشفوي، والمراجع التي ليس لها دلالة معرفية، والواضع لطرائق البحث من خلال النتيجة والسبب والتوصل إلى حزمة من المعارف العلمية في التاريخ، يجري تطوير تلك المفاهيم بالنظرية العلمية المعرفية الفاصلة والميزان الوافي لتحديد مدى مصداقية البحث ونتيجته الفكرية، وأهمية الاستفادة منه في الحياة لاحياء واذكاء الاحداث والوقائع... 
بالنظر إلى كتاب ذاكرة الثورة 1920-1939 المجاهد متعب الجباعي لمؤلفه الباحث التاريخي المهندس سميح متعب الجباعي نجد انه يسير في زورق البحث والمنهج بطريقة الزم نفسه بها وذلك بالبحث عن الوثائق والمراجع ودونها، بحيث أراد ان يشكل لنفسه طريقاً يجعله لزوم ان يشاطره به المهتمين بالتاريخ وتوثيقه وتدوينه...
فهو يذكر في الباب الأول وبالفصل التاسع وفي الصفحة 299-300 وثيقة هامة صادرة بالزمن والتوقيت ومصدرها شاهد عيان لاحداث معركة جرت في الثور السورية الكبرى وهي معركة المسيفرة فيقول: 
شهادة أحد الجنود الفرنسين في معركة المسيفرة :
في السّاعات الأربعة الأولى من دخول الثّوّار إلى أرض المعركة في المسيفرة، وتوثيقاً لـما حدث في هذه السّاعات العصيبة، وتحرّيا للدّقة والمصداقيّة، في وصف ما حدث نورد ما جاء في شهادة على لسان أحد الجنود الفرنسيّين ممّن حضروا هذه المعركة:
"في السّاعة الثّالثة كان أحد الرّقباء يتفقّد المخافر فسمع صوت حجر يتدحرج، وحينما تأكّد من أصوات الحجارة المتدحرجة أنذر الجند داعياً إلى السّلاح، وعلى ضوء الأنوار الكاشفة، ظهرت أشباح تعجّ بـها الأرض وهي تزحف بصمت، وما كاد الضّوء يفضح سرّهم حتّى انفجروا بالهتافات المدوّيّة الأشدّ شراسة وترويعاً. وفي الحال اشتعل الظّلام بنيران البنادق وراحت جحافل الطّلقات النّاريّة تغنّي فوق رؤوسنا أو تئزّ على جدران متاريسنا 
ويضيف الجندي: كنّا نحن أيضاً نطلق النّار ولكنّ المرء في مثل هذه المعركة يطلق النّار وهو لا يعلم أنّه يطلق النّار. كانت المعركة معركةً رهيبةً، وقد تمكّن عددٌ من الدّروز من اختراق معاقلنا، والوصول إلى داخل القرية دون أن يتمكّن المعقل وقيادة الأركان المحصّنة من صدّهم بل قضوا على مقاومتهم، وعلى الخيّالة القوازق.
وحين شروق الشّمس واجهنا مشهداً مخيفاً ورهيباً كان الدّروز يتدفّقون فوق المنحدر وتحت أقدام التّلة، وكأنّ الأرض نفسها هي التي تمهّد كان المشاة في المقدّمة وخلفهم مباشرة الفرسان وهم على استعداد لقيادة الهجوم خلال الثّغرات التي تتركها فصائل المشاة.
عادت رشّاشاتنا تهدر وبنادقنا تدوّي إلاّ أنّ تلك الكتلة البشريّة كانت تتقدّم صوبنا في هجوم ضارٍ مستميت وهم يتصارخون في عزيف كعزيف الجنّ مردّدين يا الله...يا الله...يا الله.
لقد استطاع الهجوم الأوّل أن يوصل بعض المهاجمين إلى داخل القرية وفي هجوم أشبه ما يكون بموجة تنساب فوق شاطئ رملي، تمكّن بعض المقاتلين الدّروز من الوصول إلى السّاحة والتّمركز على سطح مزار البلد ة وركّزوا أعلامهم فوقه.
وفجأة تغطّت سطوح القرية بالقنّاصة من الدّروز وراحوا يغمرون معقلنا بنيران لم نكن نستطيع الردّ عليها بسبب انشغالنا بالهجوم المنقضّ علينا...
ويشير إلى أهمية التوثيق عبر المعاصرين للحدث والمشاركين فيه وهم في قلب المعركة فها هو يوثق قصّة الشّهيد الحيّ أبو محمّد قفطان الجباعي الذي ذكره في نفس المرجع قائلاً :  
وصل الشّهيد قفطان الجباعي إلى مرصد محصّنٍ، وتمركز في نقطة يمكنه قنص العدوّ منها، وبدأ يصطاد جنود العدوّ من مكانه كالعصافير، فقتل العديد منهم، وعندما بدأت المعركة في الخامسة صباحا، تابع مهمّته، وأبلى بلاءً منقطع النّظير بصفوف العدوّ، ونظراً لغزارة النّيران الفرنسيّة أصيب بخمس طلقات اثنتان منها في قدمه، وأخرى في كتفه، واثنتان في بطنه حيث اندلقت أمعاؤه، فحملها بيديه ولفَّ بطنه بسلك رأسه، فتركه والده وأخوته في أرض المعركة متابعين القتال، ظنّاً منهم أنْ لا أمل في نجاته. وبعد انتهاء المعركة وجده شبابٌ من آل حمزة ما زال حيّاً، فأسعفوه إلى قرية رساس، بقي عندهم شهراً حتى شفي، وكتبت له الحياة من جديد، ثم عاد إلى قرية الشّبكي ليتابع جهاده حتّى نهاية الثّورة المسلّحة عام 1927 وقد اعتقل عام 1932 من قبل الفرنسيّين وحكم عليه مدة خمسة عشر عاماً، لكنّه تمكّن من الفرار من سجنه بعد أن استولى على سلاح الحرس ليصل إلى قريته "الشّبكي" سيراً على الأقدام والتي  تبعد عن دمشق مئة وعشرين كيلو متراً، وهناك تابع حياته حتّى وافته المنيّة عام 1992 بعد أن أعطى هذا الوطن وعائلته وأهل بيته ستةً وتسعين عاماً من التّضحية والعطاء. ظلّ خلالها مجاهداً محارباً مقداماً مرافقاً لقائد الثّورة.
وكذلك وقف وقفة زمنية قليلة بعمر الزمن ولكن الفعل وما خاضه البطل الثائر يجعل منه بطلاً يستحق التدوين والتوثيق لما قام وللأمانة والمصداقية ن الباحث المذكور آنفاً خصه وفق المعلومات التي وصلت بين يديه دون تحريف أو استزادة في السرد والإنشاء وبالتالي فهو يذكر عن الشهيد علي حمزة جربوع قائلاً إضافة لأبطال شاركوا في معركة المسيفرة:
وكان من بين الشّهداء الجرحى الشّهيد علي حمزة جربوع الذي لبّى طلب القائد سلطان والتحق بصفوف الثّوّار لشجاعته، وشارك في معركة المزرعة والمسيفرة حيث فقد بعد المعركة وقيل إنّه جُرح ومات متأثرا بجراحه.
أبطال شاركوا في معركة المسيفرة : 
"المكان قرية كناكر على الأطراف الغربيّة لجبل العرب - الزّمان ليلة السّابع عشر من  أيلول 1925 حيث خيّم الجيش الفرنسي بعتاده الثّقيل ومعدّاته المتطوّرة في بلدة المسيفرة ضمن سهل حوران وقد أوعز الجنرال غاملان الموجود في خربة غزالي بعدم التّحرك شرقاً ولو متراً واحداً، وخاطب الجنرال أندريا قائد الموقع قائلا: 
"هؤلاء القوم الذين انتصروا في الكفر والمزرعة، سيأتون إليكم في هذا السّهل المريح لعمل الرّشّاشات وقصف الطّيران- مع الأسف الشّديد صدقّتْ توقّعات الجنرال، وفي الاجتماع المثير في قرية كناكر حيثُ مئات المقاتلين تحت بيارقهم، انقسموا وتشعبت آراؤهم بين متحمّس للهجوم ومؤيّد له. وأقلّيّة أدركت خطورة الهجوم على رأسها الشّيخ سعيد الحجلي، والعقيد اللبناني فؤاد سليم، وفرحان أبو راس وحمزة درويش، وانحاز القائد العام للثّورة إلى صوت العقل والحكمة والهدوء، قائلا نحن مدافعون عن أرضنا وهذا فخٌّ خطيرٌ - واشتدّ الجدلُ وتعالتِ الأصوات، وكادتِ الفتنة أن تقع بين المؤيّدين للهجوم والمعارضين له، واندفعت البيارق، وارتفع صوت الحداء، وغاب صوت العقل - ورغم البطولات الفرديّة الخارقة التي لم يسجّل تاريخ الحروب مثيلا لها كانت نتيجة المعركة سقوط مئتين وستة وخمسين شهيداً و خمسمئة جريحٍ، والأخطر من ذلك  تبادل الاتهامات وانحدار المعنويات، وتراجع ألق الثّورة -  فكان درساً قاسياً علّمنا كيف نستلهم العبر، ونجعل مكانة عالية للحكمة والعقل وعدم الانزلاق في الفوضى.
أخيراً حينما نقف على عتبات الزمن الماضي تليد في بطولات حققت لنا الجلاء والانتصار، وفق رؤية توثيقية لقراءة التاريخ بطريقة المتأمل المنتمي لا الناقد الحامل خنجر مبضعه لتشريح والتجريح في معطيات وأحداث، إذ كثيراً ما يتم الصد والرد في اختلاف بالرأي والموقف ليصبح الاختلاف مشخصن ويعيش أصحاب المعرفة والعلم في دائرة المتناقضات الأخلاقية والاتهامات الباطلة فيما بينهم...تحت مسمى عداوة الكار...وهي كثيرة اليوم علماً إن القاعدة العلمية والأخلاقية يرتكز عليها الباحث الحصيف والإنساني الواعي أن "خلاف الرأي لا يفسد للود قضية" ويبقى للحديث بقية...

التاريخ - 2022-10-24 10:24 PM المشاهدات 74

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا


الأكثر قراءةً
تصويت
هل تنجح الحكومة في تخفيض الأسعار ؟
  • نعم
  • لا
  • عليها تثبيت الدولار
  • لا أعلم