شبكة سورية الحدث


شهيد دوما في وعد بلفور...تحييه ذاكرة الثورة

شهيد دوما في وعد بلفور...تحييه ذاكرة الثورة


سورية الحدث الإخبارية- السويداء- معين حمد العماطوري 
يشهد العالم أن تداعيات وعد بلفور لم تكن عادية بوقعها على الوطنيين الأحرار في بلاد الشام، وخاصة في سورية، الوطن العاشق للقومية والمناضل لتعزيز وانتشار ثقافة العروبة، بل قدمت تلك الشعوب دماء زكية فداء لموقفها وإصرارها على الدفاع عن حمى وأرض فلسطين المكلومة، وهذ الشعور المتجذر في نفس وقلب أفراد المنطقة العربية في بلاد الشام وخاصة جبل العرب الذي ساهم أهله مع أخوتهم الأحرار الثوار رفض وعد بلفور وتداعياته التي أوصلت البلاد إلى ما يحمد عقباه، ولكن من المؤسف أن تتناسى الذاكرة الآنية مآثر الأبطال الشهداء الأحرار الذين صعدوا للسماء وهم يحدون حداء المجد فخرا واعتزازاً بأرضهم وموقفهم، ويأتي إحياء وإذكاء سيرة هؤلاء في السياق التوثيق نوعاً من أنواع الوفاء الوطني الذي لا يعرفه إلا ذوه، كما هو معروف، فقد ساهم الباحث المهندس سميح متعب الجباعي حينما نفض غبار الزمن عن وثائق عانى ما عاناه وبحث في بطون المراجع ووصل إلى المتاحف ووقف أمام شاشات الحاسوب ساعات وساعات للتوصل إلى تلك المعلومات الأقرب إلى المصداقية بعد أن فقدنا الكثير من الوثائق نتيجة زحف العولمة وما خلفته من تدمير في البنية الذهنية المحلية والتكفير الانتمائي للأرض والوطن، ليأتي صوت من بلاد الاغتراب حمل معه نسائم فينيا وجمال حدائقها الغناء ليضعها في خابية ماء اصيل نهله من قرية الشبكي حاضنة ذاكرة الثورة...
عين الفيجة والشبكي:
حينما عاد القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش ورفاقه الثوار من منفاهم في وادي السرحان بعد معاناة بالعيش والموقف دام لعقد ونيف، كان في استقبالهم اخوته الدمشقيين وصدح يومها مفتي دمشق بصوته الأجش: /اسفروا يا نساء دمشق فقد جاء من حرر أعراضكم/، وصل سلطان باشا وجلس بجانبه الرئيس شكري القوتلي وعلى الفور طلب سلطان ماء يسد ظمأه من تعب ومشاق السفر، فطلب شكري بيك القوتلي له ماء من مياه عين الفيجة، لصفاءها ونقاها، على فور وببداهة العارف المتيقن في الحياة والموقف قال يومها : سلطان باشا الأطرش يا شكري بيك ما هي ماء عين الفيجة من مياه الشبكي ...ولعمري هنا الموقف الوطني لشكري القوتلي حينما قال له : "يا باشا لولا مياه الشبكي ما شربنا مياه عين الفيجة"، لأن الحادثة تقول أن الثوار اجتمعوا في قرية الشبكي للتباحث في أمور الثورة ومن بينهم كان شكري بيك القوتلي وطلب ماء وهم تحت الانتداب الفرنسي حصلوا على ماء من مياه الشبكي وفيه من البعوض والحشرات أخذ كل منهم ينفخ في المياه ويشرب ليسد ظمأه، ولأن تلك اللحظات كانت حاسمة في تاريخ الثورة والكبار تعرف مواقف بعضها بعضا بفطنتها الوطنية وحسها الإبداعي، يقيناً أن الوطن لا يتجزأ عن الوطنيين...باستذكار تلك الحادثة وربطها باللحظة...
 وبعد أكثر من قرن جاء احياء وإذكاء الوشائج الوطنية في تمكين العروة الوثقى بين الجبل والغوطتين بذكر شهيد دوما التي وثقته جريدة المقتبس الغراء على حد وصف الباحث المهندس سميح متعب الجباعي في كتابه /ذاكرة الثورة 1920-1939 المجاهد متعب الجباعي/ تعبيراً عن روابط العلاقة في الدم والهم والموقف وذلك في موقف العزاء للشهيد محمد الليلية الذي استشهد جراء حداثة وعد بلفور، ويصف حالة الشام والشعراء في عمله التوثيقي ذاكرة الثورة 1920 1939 معززاً تلك الروابط وكأن اللحظة السامية لا تنتهي بانتهاء الزمن بل يفرض صدق الانتماء ومصداقية البحث بالوثائق ذكر ما يجب أن يكون بقول الباحث المهندس سميح متعب الجباعي: 
شهيد دوما قالت المقتبس الغرّاء:
صادف يوم أوّل أمس أربعون الشّهيد محمد الليلة الذي قُتل يوم حادث بلفور، فقام فريق كبير من الأهلين بالذّهاب إلى دوما في رتل من السّيّارات وهم يحملون أكاليل الزّهور وسجفاً كتب عليه بالتّطريز (رحمة الله على شهيد وعد بلفور)، ولَمّا وصلوا إلى دوما ذهبوا فوراً إلى المقبرة، فرأوا فريقاً كبيراً من الأهلين يحتفلون بشهيدهم، وقد تلا على القبر السّيد سعيد الصّوص آيَ الذّكر الحكيم، وتلا الشّيخ يحيى المكتبي دعاءً حارّاً عن روح الشّهيد، ثم رثاه المحامي السّيد بدر الدّين الصّفدي. وبعد ذلك ذهب الجمع المحتشد من أهالي دوما ومن الدّمشقيّين إلى الجامع الكبير، حيث أدّوا صلاة العصر وقرؤوا آيَة الذّكر الحكيم عن روح الشهيد، وبدأ كرم وفادتهم حضرة الدكتور سعيد أفندي عودة، وضيّفهم المرطّبات والحلوى، وأكرم الأهلون وفادتهم، ثم عادوا إلى دمشق شاكرين حفاوة الأهلين وحفاوة الدّكتور عودة. فنستمطر الرّحمة على ضريح الشّهيد المرحوم ونكرّر التّعزية لآله.
حالة دمشق في نظرة سائح:
قال أحد الأدباء : "إنّ الرّوح الوطنيّة في دمشق اليوم هي أحسن منها، في كلّ وقت مضى .إذْ لا حديثَ للنّاس اليوم فيها إلاّ عن الأحوال الحاضرة والبحث في شؤونها العامّة وترى فوق ذلك أنّ شبّانها وكتّابها ورجالاتها يسيرون بها نحو الإصلاح والرقيّ الحقيقيّ بخطوات متينة واسعة .فهذا يفكّر وهذا ينصح وهذا ينشر وذاك ينفّذ وآخر يبحث . وهاهي الشّبيبة تسافر وتغدو وتروح وتبشّر بتكثير المدارس والخلاصة إنّ في دمشق اليوم حياةً جديدةً تبشّر بمستقبل وطنيّ باهر.
ولا ينكّد على أهالي جُلّقَ إلا وجود حقّي بك العظم يتحكّم فيها بعقل أكبر من حجم العدسة بكثير! فلو أراح الله وطنه منه لكانت حالة المدينة تسرّ قلوب الأحباب، ونكبت قلوب أذناب الاحتلال.
بلادي حضرة الشاعر الفلسطيني (حسان ): 
بلادي هواها في فؤادي، وإنّني  وربّك لم أخلق   لغير بلادي 
عشقتها طفلاً، وما العشق سبَّة         إذا كان منّي في ربوع بلادي 
وإنّي  جميل في الهوى، وبثينة             بلادي، فلا اغتال العداة بلادي 
بلادي  منال  النّجم  دون منالها     فأنّى   ينال المعتدون  بلادي 
بلادي  تأبى   أن تعيش  ذليلة        ومن ذا الذي يرضى  بذلّ بلادي 
الجدير بالذكر أن الصّورة الأصلية لهذه القصيدة كاملة في قسم الوثائق ومواقع المجاهد متعب الجباعي كما ورد في كتاب /ذاكرة الثورة 192-1939/ لمؤلفه الباحث المهندس سميح متعب الجباعي.
أخيراً لابد حينما نقرأ في صفحات التاريخ مآثر الأهل والأجداد وإحياء دماء الشهداء الزكية نشعر بالشجن كم نحن مقصرون بحق هؤلاء الأماجد وندين لمن ينفض عن سيرتهم العطرة غبار الزمن الهامك في ظلمة الحياة...إذا نحن مدينون للباحث سميح متعب الجباعي على ما قدم لنا من وثائق تاريخية في ظل ما تشهده الساحة الثقافية عامة والعربية خاصة من تدهور في إغناء المحتوى التاريخي الوطني مشيرا ومثبتاً أن الحيادية ورفع الأنا هي الحس الوطني والمسؤولية الكبرى في مصداقية التوثيق التاريخي ويقينا أن الوطن لا يتجزأ في قلب وعقل الوطنيين الشرفاء...وللحديث بقية بالثورة وذاكرتها....

التاريخ - 2021-12-10 5:58 AM المشاهدات 2835

يسرنا انضمامكم لقناتنا على تيلغرامانقر هنا


كلمات مفتاحية: سورية النمسا